النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: شعراء الزهد في العصر العباسي

  1. #1

    افتراضي شعراء الزهد في العصر العباسي

    إن المتتبع للتاريخ الأدبي يجده وثيق الصلة بالتاريخ السياسي والاجتماعي لكل أمة , والأدب له أثره البالغ في حياة الأمة ولذلك كانت المحافظة على اللغة وما فيها من ثمار العقل والقلب أحد الآساس التي يبني عليها الشعب وحدته ومجده وفخره , ولذلك كان العرب أشعر الساميين بالفطرة وأبلغهم على الشعر قدرة , وذلك بسبب صفاء قريحتهم وسذاجة معيشتهم وقوة عصبيتهم وكمال حريتهم , ومن هنا نجد الشعر الربي انقسم لثلاثة أقسام هي ( الغنائي – القصصي – التمثيلي ) , ولما كان الشعر مادته الخيال وغذائه الحس فقد أبدع الشاعر العربي وصف كل ما يشاهده من مناظر . ويمر أدبنا العربي بعدة مراحل فهذا هو العصر الجاهلي الذي يتميز شعره بوحدة القصيدة والوقوف على الأطلال ووصف الناقة وشرب الخمر .... الخ , ثم يأتي بعد ذلك العصر الإسلامي فيضع قواعد ومفاهيم جديدة أمام الشعراء ثم يأتي العصر الأموي الذي يأخذ الأدب فيه طرقه نحو التجديد وخلق موضوعات جديدة , ويأتي العصر الذهبي في تاريخ الأدب العربي وأقصد به ( العصر العباسي ) الذي بلغ فيه المسلمون من العمران والسلطان ما لم يبلغوه من قبل ولا من بعد , فأثمرت فيه الفنون الاسلامية وزهت الآداب العربية ونقلت العلوم الأجنبية ونضج العقل العربي فوجد سبيلاً إلي البحث ومجالاً للتفكير , وأهم ما نلاحظه في هذا العصر أن الدولة العباسية اصطبغت بصبغة فارسية مما أدى إلى ضعف العصبية العربية وعلا صوت الشعوبية , فنتج عن ذلك دخول عناصر أجنبية إلى جانب العنصر العربي مما أدى إلى كثرة المجون واللهو وشرب الخمر وتكاثر الجواري والغلمان وشيوع الطرب والموسيقى مما جعل الشعراء ينغمسون في هذه الحياة الجديدة ويتنافسون في شعر المديح والغزل والهجاء , وبجانب هؤلاء الشعراء ظهر جيل من شعراء الزهد اتصل بحياة الجماهير والعامة من الناس يدعون الناس إلى الزهد , فقد كانت المساجد تمتليء بالوعاظ والنساك وأهل الحديث والفقه والورع , وقد صدق هؤلاء الشعراء مع ربهم مخافة القيامة وموعدها وموقفهم مع ذي الجلال وأن العمر مهما طال فهو قصير وان متاع الدنيا زائل لا محالة , فوضعو نصب أعينهم الموت ولذلك نجد المحدث الناسك مالك بن دينار لا يزال يتحدث عن الموت حتى تخنقه العبرات وتأمل هذه الأبيات التي يتحدث فيها عن القبور وأهلها وأنه أجل محدود ونفسُ معدود وعما قليل سيصبح الإنسان تراباً في تراب فيقول :-
    أتيتُ القبور فناديتها أين المعظــــم والمحـتـقـر
    وأين المدل بسلطانه وأين المزكي إذا ماافتتخـر
    تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخـبر
    تروح وتغدوبنات الثرى فتمحوا محاسن تلك الصـور
    فياسائلي عن أناس مضوا أمـا لك فيمـا تــرى معــتـبر

    وكثير من هؤلاء الشعراء كانوا يأخذون أنفسهم بحياة زاهية حقيقية فهم لا يقفون على أبواب الخلفاء ولا أبواب الوزراء بل يكتفون من العيش بالكفاف وممن اشتهروا في هذا ( الخليل بن أحمد ) واضع علم العروض لنتأمل هذه الابيات في الزهد والعظة وكأنه يخاطب كل من تكبر وافتخر بنفسه قائلاً:-

    عش ما بدا لك , قصرك الموتُ لا مهـرب منــه ولا فوت ُ
    بـيـنــــا غِـنـي بـيـتٍ وبهـــجتـــــــه زال الغِنى وتقوّض البيت

    واشتهر الخليل بن أحمد بأنه كان يأبى أن يصحب الخلفاء والحكام وذوي الجاه والسلطان لما في أيديهم من الدنيا , ويروى أن سليمان بن قبيصة بن يزيد بن المهلب كان والياً على السِّند , فوجه إليه يستزيره فكتب إليه :-

    أبلغ سليمان أني عنــــه في دعَة وفي غِنَى غير أني لسـت ذا مــال ِ
    سخَّي بنفــــسي أني لا أرى أحداً يموت هزلاً ولا يبقى على حالٍِِِِ
    الرزق عن قدرٍ , لا الضعف ينقصه ولا يزيدك فيــــه حــول مــحتــال
    والفقر في النفس لا في المال تعرفه ومثل ذاك الغِنَى في النفس لا المالِ


    وفي كل مكان يلقانا كثيرون يتفرغون للنسك والعبادة , مما دفع لظهور مقدمات التصوف في هذا العصر وهو المعروف بالحب الإلهي الذي يتجرد عن كل مادة وحس والذي يستغرق فيه المتصوف الشغوف بالحقيقة الإلهية وما ترسله هذه الحقيقة من أضواء الحق والخير والجمال المطلق , ومن أروع ما يصور ذلك أبيات رابعة العدوية المشهورة :-
    أحبك حبين : حب الهـــوى وحبــاً لأنــك أهــــل لـــذاكــا
    فأما الذي هو حب الهـــوى فشغلي بذكرك عمـن سواكــا
    وأما الذي أنت أهــــل لــــه فكشفك لي الحجب حتى أراكا
    فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكــا

    فهي هنا تميز بين حبين : حب لله شكراً لنعمه على الإنسان في دنياه , وحب لجماله وجلاله القدسي الذي رفعت الحجب والأستار بينها وبينه . ومن الشعراء الذين ازدهروا في مجال الزهد ( عبد الله بن المبارك ) الذي كان يخاف دائماً من الحياة المليئة بالشهوات والملذات وكان دائماً يدعوا كل إنسان أن يعصي هوى نفسه , لأن النفس أمارة بالسوء , وإن أطاع الإنسان نفسه هوت به في جحيم الذنوب , فيقول بن المبارك في هذا المعنى :-


    رأيت الذنوب تميت القلوب ويخترم العــقل إدمانها
    يبيع الفتى نفســه في رداه وأسلمُ للنفس عصيانها


    وكان بن المبارك كثير التنفير من الحياة ومتاعها الزائل الذي يحمل بين طياته السم :-

    حلاوة دنياك مسمومة فما تأكل الشهد إلا بسم


    ومن أشهر شعراء الزهد في العصر العباسي الشاعر العملاق ( أبو العتاهية –130 /211هـ ) الذي بدأ حياته بالمجون واللهو ثم ما يلبث أن يتحول إلى الزهد والتقشف ولبس الصوف , فظل نحو ثلاثين عاماً يتغنى بالكأس الخالدة كأس المنية الدائرة على الخلق , فالكل مصيره إلى الفناء والكل إلى زوال , والكل سيصبح تراب إلى تراب

    لدوا للمــوت وابنوا للخـــراب فـكـلـكـم يـصـيـر إلـى تــبــاب
    ألا يا مــوت لم أر منــك بــداً أتيت وما تخيف وما تــحــابي
    كأنك قد هجمت على مشيبي كما هجم المشيب على الشباب

    ولما بنى الخليفة العباسي الرشيد قصره وذهب إليه الكل يمدحونه دخل عليه أبو العتاهية وقال له أبياتاً يعظه فيها وقال له أنه مهما كثرت من جندك وعتادك فلن يمنعك هذا من الموت فأخذ الرشيد يبكي من تلك الكلمات وهي :-

    لا تأمن من الموت في طرف ولا نفس ولو تسترت بالأبواب والحـــرس
    واعــلم بأن ســهام المــوت قـــاصــدة لــكــل مـــدرع مـنــا ومـــتـــرس
    ترجوا النجاة ولم تســلك مســالكـــهـا إن السفينة لا تجري على اليبس

    وهكذا يمضي أبو العتاهية في نعي الدنيا ويبكيها ويندبها مهولاً من رقدة الموت الأبدية :-

    ألا نحن في دار قليل بقــــاؤهـــــا سريع تداعيــــهـا , وشيك فناؤها
    تزود من الدنيا التقى والنهى, فقد تنكرت الدنــيـا وحـــان انقضاؤها
    غداً تخرب الدنيا , ويذهـــب أهلها جميعاً , وتطوى أرضها وسماؤها

    ويقول في موضع آخر يصف فيه الحياة بأنها أنفاس معدودة على الإنسان :-

    حيــاتــك أنــفـاس تعد , فكلما مضى نَفَسُ منها نقصتَ بها جزءاَ
    يميتك ما يحيك , في كل ساعة ويحدوك حاد مـا يريــد بــك الهُزءا

    ويمر يوماً على المقابر فأخذ يبكي وقال :-

    مالي مررت على القبور مُسلماً قبر الحبيب , فلم يرد جوابي
    لو كان ينطق بالجواب لقال لي : أكل التراب محاسني وشبابي

    ثم يوجه أبو العتاهية عتاباً لمن شغلته الدنيا قائلاً :-

    تناجيك أموات , وهن سكوت وسكانها , تحت التراب , خفوت
    أيا جامع الدنيا لغير بلاغة , لمن تجمع الدنـيا , وأنت تمــوت
    وإنكم إذا ما علينا تسلموا , نردّ عليـكـــم واللســان صـموت

    ويتسع أبو العتاهية في أشعاره الزاهدة ويقدم النصيحة لكل من سولت له نفسه ارتكاب المعاصي والذنوب فيقول له أنه مهما تخفيت عن أعين الناس فهناك عين تراك وترصد كل أفعالك وهذه الأبيات من أفضل ماكتب الشاعر :-

    إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقـل خلــوت, ولـــكن قــل علىّ رقيب
    ولا تحسبن الله يغفل مـــا مــــضى , ولا أن مـــــــا يخفـــى عليه يغيب
    لهــونا , لـعـمـر الله , حـتـى تتابعت ذنوب على آثــارهــن ذنـــــــــوب
    فيــا ليت أن الله يغـــفر مــا مــضى , ويــــأذن في تـــوبتنا , فنــتــــوب
    إذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم , وخلفــت فـــي قــرن فـأنت غريب
    وإن أمـــراً قـد ســار خمسين حجة إلى منهــل , مــتن ورده , لقريب
    نسيبك مــن ناجــاك بالــود قلـــبه وليس لمن تحــت الــتراب نسيب
    فأحسن جـــزاءً مـا اجتهدت فإنما بقرضك تجزى والقروض ضروب

    ومن هنا كان أبو العتاهية أشهر هؤلاء الشعراء الذين كتبوا في الزهد , ومن الواضح أن حركة الزهد هذه جاءت في وقت كما ذكرنا وقد شاعت موجة الترف والبذخ واندماج الحضارة العربية بالحضارة الفارسية التي غيرت ملامح الحياة في تلك الوقت وجعلتها شبه فارسية , وكان لابد في هذه الاجواء أن يخرج شعراء يعيدوا الناس إلى رشدهم وأن يذكروهم دائماً بالنهاية الأبدية , ولعل هذا ما لجأ إليه أبو العتاهية وغيره من شعراء الزهد في ذلك الوقت . ...

  2. #2
    مؤسسي الموقع والمنتدى الصورة الرمزية ابوهبه
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    931

    افتراضي

    القابض على الجمر
    حياك الله في منتداك ، وبداية موفقه من اول مشاركه لك ،
    تقبل مروري ودمت بافضل ما تريد

  3. #3

    افتراضي

    الله يحيك يا أخي سفير النوايا الحسنة وأتمنى أن أكون عند حسن ظن الجميع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •